الياس شوفاني

298

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

الصهيونية ، فظلت النشاطات التي قامت بها تتسم بطابع العفوية والارتجال وردّات الفعل . وتجدر الإشارة إلى أن الوعي المناهض للمشروع الصهيوني ، بصيغة جميعها : فكريا وسياسيا أو صراعا عنيفا ، لم تطبقه الحركة القومية العربية على اليهود ، لأنهم يهود ، وإنما انطلق من قاعدة سياسية ، ليست اجتماعية ولا دينية ، كما كان الحال في أوروبا . وكذلك كان موقف السلطة العثمانية ، التي لم تقف مكتوفة الأيدي إزاء النشاط الصهيوني الذي يستهدف قطعة أرض معينة من أراضي السلطنة . فمنذ البداية ، أصدر الباب العالي التعليمات إلى قناصله في الدول المتعددة ، بإبلاغ اليهود الراغبين في الهجرة إلى فلسطين ، بأنه لن يسمح لهم بالاستيطان في فلسطين كأجانب ، وبأن عليهم اكتساب الجنسية العثمانية ، والالتزام بالقوانين السارية في الولايات التي يرغبون الإقامة الدائمة فيها . ومن ناحية مبدئية ، لم تكن السلطات العثمانية تعارض إقامة اليهود في أراضيها ، فقد كانت أعداد منهم منتشرة فيها ، واعتبرتهم إحدى « الملل » المعترف بها في السلطنة ، ولكنها كانت تعارض هجرتهم إليها من الدول الأخرى ، والتوجه إلى فلسطين تحديدا ، في إطار الامتيازات الممنوحة للدول الأجنبية ، أو على أساس « براءة » خاصة تقدم للمنظمة الصهيونية من قبل السلطان . كما تجدر الإشارة أيضا إلى أن الأوساط المحافظة ( الرجعية ) العثمانية والعربية ، كانت أكثر تشبثا بمبدأ عدم السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين ، وتصلبا في مواجهة محاولات الصهيونية اختراق هذا الحاجز ، عبر الأوساط الإصلاحية ( التقدمية ) . وبذلك كان المحافظون أكثر انسجاما مع المزاج الشعبي من الإصلاحيين النخبويين . ولعل التعبير الأبرز عن ذلك يتمثل بموقف السلطان عبد الحميد الثاني المستبد ، الذي لم يتزحزح عن معارضته للأهداف الصهيونية في فلسطين ، وذلك على الرغم من الإغراءات كلها التي قدمت له من الصهيونية وأعوانها ، في مقابل الموقف المائع لحزبي تركيا الفتاة والحرية والائتلاف . وعلى العموم ، ظل الموقف الرسمي العثماني ، حتى نهاية الحرب العالمية الأولى ، مناهضا للمشروع الصهيوني ، وثابتا في وجه المحاولات الصهيونية كلها لتغييره ، أو التخلي عنه . كما أقدمت السلطات العثمانية على اتخاذ إجراءات لمنع المهاجرين اليهود من الدخول إلى فلسطين بالوسائل الملتوية . فأصدرت تعليمات إلى متصرف القدس ببذل كل الجهود للحؤول دون وصول المهاجرين من روسيا ورومانيا وبلغاريا إليها . وجرى اتخاذ إجراءات مماثلة في بيروت واللاذقية وحيفا . ولكن الموظفين العثمانيين لم يتقيدوا دائما بالتعليمات ، كما استغل عملاء الصهيونية فسادهم وجشعهم للمال ، فقدموا لهم